تأملات في عشر ذي الحجة
الكاتبة: صالحة مجرشي
في زحام الحياة وتسارعها، تأتي بعض المواسم الروحية كاستراحةٍ تعيد للإنسان اتزانه الداخلي، ومن أعظمها عشر ذي الحجة. فمن رحمة الله بعباده أن وهبهم أزمنة تُنجيهم من حرّ الذنوب، ومن السعي المستمر خلف الحياة؛ أزمنة يعود الإنسان فيها إلى ذاته، ويُعيد ترتيب شيءٍ خفي بداخله… شيء يشبه شربة ماءٍ راوية بعد سيرٍ طويل في صحراء حارّة.
ومن أعظم هذه الأزمنة؛ عشر ذي الحجة.
فهي ليست مجرد أيامٍ تعبُر تمهيدًا لقدوم العيد، بل لحظات وساعات فُتحت لنا كنافذة رحيمة تُربّت على أرواحنا المُثقَلة، وكأن همسًا خفيًا يطمئننا:
"ما زال في الوقت متّسع لتعود."
فما أعظم رحمتك يا الله.
في مثل هذه الأيام، تتوق أرواحنا إلى مكة… إلى نسيمها، إلى شعائر الحج، إلى السعي والمشي، واللهفة التي يحملها الحجاج وهم يطلبون المغفرة والرّضا. فهنيئًا لمن اختارهم الله ليتمّ سعيهم، ويروي عطش أرواحهم، ويغيثهم برضاه ومحو ذنوبهم، ليعودوا أنقياء بصفاءٍ كاللبن، أبيضَ من الثلج، وأرواحٍ تُحلّق كالحمام المُهلِّل.
الحمدلله… الحمدلله.
وفي هذه الأيام، يهدأ الركض قليلًا، ويصبح ضجيج الحياة أبعد، بينما يبدو الأمل أقرب من قرب الروح إلى الجسد. حتى أكثر الناس انشغالًا، يجد نفسه في هذه الأيام يُبطئ خطاه دون أن يشعر، وكأن شيئًا داخله يحاول أن يلتقط هذه النسمات العابرة قبل أن تمضي.
وفجأة، يصبح صوت التكبير في الأرجاء كافيًا ليوقظ شيئًا نائمًا داخل القلب، ولعل أكثر ما يُهدّئ توق قلوبنا لملامسة أرض مكة هو “التلبية”، تلك الكلمات التي تحمل في داخلها معنىً عجيبًا لا يُشبه أي شيء آخر.
كيف أن الإنسان يترك خلفه كل شيء… ويلبّي.
يلبّي منكسرًا، خاشعًا، راجيًا، دون أن يحمل معه ألقابه، أو انتصاراته، أو حتى انكساراته القديمة… فقط روحٌ تمشي نحو الله.
وفي التكبير سرٌّ آخر.
حين نردد:
"الله أكبر"
نشعر وكأن الأشياء التي كنا نراها أكبر من قدراتنا تبدأ بالانكماش، وكأن المستقبل الذي أرهق تفكيرنا، والأيام الثقيلة، والأشخاص، والظروف، جميعها تصبح أصغر أمام يقينٍ واحد:
أن الله أكبر من كل ما نعجز عنه، ويعجز عنه بشرٌ مثلنا.
ولهذا، تأتي عشر ذي الحجة كل عام كرحمةٍ تُعيد الإنسان إلى نفسه، بعد أن أضاعها طويلًا في زحمة العالم.
خفّف روحك قليلًا؛ سامح، وادعُ، واقترب من الله كما لو أنك تعود إلى بيتك بعد غيابٍ طويل؛ فالإنسان قد يضيع وسط الحياة… لكن الله لا يُضيّعه أبدًا، وما أعظم رحمة الله حين يفتح لنا أبواب العودة قبل أن نتوه أكثر.




.jpg)

.jpg)

.jpg)


.jpg)


.jpg)















.jpg)





















.jpg)

















