صخَب القلب
الكاتبة: ليالي محمد
ماديَّات الحياة وثقافة العيش!
قد تبدو الحياة صعبة دائمًا، مليئة بالهموم، الغموم، وكل ما يكدِّر عيش المرء لدرجة أن نرفع أيدينا نهاية كل يوم طالبين من الله أن يأخذ أماناته لأن الروح ما عادت تحتمل، وفي الوقت ذاته تغمض عينيك وسط اليوم لتستشعر كل لحظة يعيشها جسدك كيفما كان حالك ورحمة الله تُحيط بك من كل جانب، تحفُّك طمأنينته، حبه وسكينته، وتبتسم حينها فتدرك أن الحياة صعبة لمن قرر أن يراها كذلك وسهلة لمن قرر أن يسير فيها مستشعرًا وجود الله في كل حين…
ربما يكون كل شيء بين يديك لكنَّك تظلُّ بانتظار شيئًا ما ليضيف إلى لحظاتك، سعادة، رزق، فرحة، فتضيع فرحتنا الحالية من بين أيدينا ونحن في انتظار سعادة مؤجلة، وتُصبح حينها لحظتنا كذلك مؤجلة إلى وقتٍ غير معلوم!
نُكبِّلُ كل فرحة تهدينا الحياة ونضعها جانبًا في انتظار فرحة أعظم ونعمة أجمل ولو تفكَّرنا قليلًا واستشعرنا نعمة الامتنان لكل ما حولنا سنجد أنفسنا أغنى مما نتصور، فحين تلمُّ بنا اللحظات الصعبة نعضُّ أصابعنا ندمًا للحظاتنا التي مرَّت بسلام ولم نستشعر نعمتها، معتقدين أنَّ تلك الأيام التي مضت بهدوءٍ تام كانت نقمة في حين أنها كانت أكبر نعمة تمرُّ على الانسان دون أن يدرك ذلك.
الانسان وما أدراك ما الانسان!
لا يدرك ما بين يديه حتى يضيع منه، ولا يستشعر النعمة حتى يراها في يد غيره!
وربما كانت أكبر معضلات بنو البشر تتمحور في عدم قدرتهم على رؤية النعم حتى يفقدوها، لأنهم دائمًا متطلِّبون للأكثر، الأعظم، الأكبر، دائمًا في صراع للأفضلية وكأنَّ هناك شخصًا فينا سيقف على منصة الذهب أمام الجميع ليُعلن نفسه فائزًا في معركة الحياة، لكنَّنا لم نكن نعلم أنَّ صراعنا الحقيقي يكمن في قدرتنا على عيش الحياة من خلال التفاصيل الصغيرة تلك التي لو أدركناها سنشعر لحظتها أن الكون بين أيدينا…
إذًا هل تساءلت يومًا من الذي فرَض علينا طريقة العيش؟ كيف يستمتع الانسان؟ وكيف يكون منفتحًا أو سعيد؟
هل تساءلت يومًا ما الذي يجعل الانسان يعيش في نعيم؟ هادئًا مرتاح البال وفي يده كل ما يريد؟
هناك العديد من المفاهيم الخاطئة داخل عقولنا والتي لقنُّوها لنا كما يُلقَّن الجاهل في أمرٍ يجهله ويسير مع القطيع!
في الحقيقة أنَّ من حولنا حددوا مصيرنا في السعادة، النعيم، والحياة الهنيئة، أخبرونا أن السعداء من يسافرون إلى كل أنحاء العالم، وأن من يعيش الحياة بحق يرى كل جمالها ويجوب كل طرقاتها، علمونا أن الماديات هي التي تصنعنا نحن البشر وأن امتلاكك لحقيبة فاخرة ستُضيف إليك قيمة كبيرة، أن من يملك مجموعة فريدة من المجوهرات فكأنما حاز على جائزة كبرى وكانت هذه خدعة كبيرة لعقل الانسان البشري والذي يتميز بكونه أذكى مخلوق على وجه الأرض ويملك عقلًا يزن بلد، تخيل معي أن جمادًا قد يحدد من أنت ومن تكون!
والحقيقة التي لم نُدركها أنَّ هناك أمور في الدنيا أكبر من امتلاكنا لأشياءٍ لا تزيدنا قيمة، وحاجات أوهمونا أنها تجعلنا أكبر في أعين غيرنا، ولم نعرف أن القيمة نحن من نوهبها لأنفسنا حين ندرك قيمتنا في أعين أنفسنا، وأن السعادة والحرية لا تعني رفاهية العيش من الناحية المالية بل عيش اللحظة كما نريد، والاستمتاع بكل ثانية فيها، وأن الوقت الذي نقضيه مع من نحب هو أثمن الأوقات، والدقيقة التي نقف فيها متأملين السماء، مُستمعين فيها لأمواج البحر هي السعادة الحقيقية التي نحلم بها كبشر، لحظات الصفاء، الهدوء، النقاء، الراحة، الطمأنينة، الحب لكل ما حولنا، تلك النعم الصغيرة التي تناسيانها وسط زحمة انشغالنا بالحياة، امتلاكنا لها كان ربحًا ومعنى صادقًا للسعادة والراحة الدنيوية.
أتساءل الآن كم لحظة سعيدة ضاعت منك لأنَّك كنت بانتظار الأفضل؟ كم فرحة سُرقت منك لأنَّك كنت بانتظار الأجمل؟
المسألة لم تكن في الكمال والمثالية بل تفصيل صغير تُصنع منه حياة بأكملها!
فحياة الآخرين ليست مقياس لحياتنا، وفرحتنا لا تُقاس بفرحة أخرى…
اللحظة السعيدة الحالية لن تتكرر ومن فيها لن يعوضهم الزمن، وتذكَّر أن الحياة دائمًا ما تُوهبنا فرصًا لنسعد ونحن من نضيعها بأنفسنا حين ننتظر مجهولًا قد لا يأتي!
لا تحصر حياتك في اختيارات محددة من رفاهيات الحياة، فالكون يتسع دومًا لجميع أساليب السعادة والرفاهيات، والفرحة ليست حصرًا على أحد، هناك لحظات، سعادات، ضحكات وقهقهات نسينا أن نعيشها، لأننا في حينها كنا ننظر إلى فرحة غيرنا ونستصغر فرحتنا ونضيِّق الحياة على أنفسنا!
ألم أقل لكم سابقًا أن الانسان من يحرم نفسه فرحته؟












.jpg)


.jpg)





.jpg)



.jpg)











.jpg)





















.jpg)

















